عبد الكريم الخطيب
1069
التفسير القرآنى للقرآن
العرب ، وهم القاسية قلوبهم ، إذ كانوا بعملهم هذا - من أهل كتاب ومشركين - دعوة إلى الضلال ، تواجه دعوة الهدى التي يدعو بها الرسول والنبىّ . . واللّه سبحانه وتعالى يقول : « وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً » ( 20 : الفرقان ) ويقول سبحانه على لسان المؤمنين : « رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا » ( 5 : الممتحنة ) . وفي قوله تعالى : « وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ » إشارة أخرى إلى أن هؤلاء الذين ألقى بهم الشيطان في طريق الدعوة التي يدعو بها الرسول أو النبىّ - هم متلبسون بظلم عظيم ، لما هم عليه من شقاق بعيد عن مواطن الحق ، ومن خلاف قائم على الجرأة والتجرد من الحياء ، في إنكار البديهيات ، وفي عدم التسليم بها والانقياد لها : ثم يجئ بعد هذا قوله تعالى : « وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ . . وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » . أي أنه من هذا الاحتكاك بين الحقّ الذي يدعو إليه الرسول أو النبىّ ، وبين الباطل الذي يلقى به الشيطان وأولياء الشيطان في وجه هذا الحق - في هذا الاحتكاك تنقدح شرارات مضيئة ، يرى أهل العلم والمعرفة على ضوئها فرق ما بين الحق والباطل ، فتزداد معرفتهم بالحق ، ويقوى تعلقهم به ، واطمئنان قلوبهم وإخباتها له . . « وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » ، بهذا الصراع الذي يقوم بين الحق والباطل ، فلا يعشى أبصارهم عن الحق هذا الغبار الذي يثيره الباطل والمبطلون في وجهه ، بل إن ذلك ليزيد من نور الحق ، ويضاعف من جلاله وروائه . . كالشمس ، يحجبها السحاب ، فإذا انقشع السحاب وسفرت عن وجهها ، كانت أحسن حسنا وأبهى بهاء . . إن ذلك شأن كلّ ضدّ يلتقى بضده . . فالحسن يزداد مع القبيح حسنا ، والحلو يكون بعد مذاق